السيد محمد حسين فضل الله

135

من وحي القرآن

قيمة الروحية والمادية ، ولو كان ذلك بشكل جزئي ، الأمر الذي يعيش معه المسلم حياته اليومية في ما يأكل ويشرب ، ويلبس ويتعامل ، أو في ما ينشأ من علاقات في أجواء إسلامية طاهرة ، يتنفس فيها جوّ الإسلام وروحانيته ، ويعيش فيها روحية القرب إلى اللَّه من خلال طاعته ، ويتحمل في ذلك الصعوبات النفسية والعملية ، لأنه يشعر أن هدف حياته هو تحقيق رضا اللَّه في ما يأمر به أو ينهى عنه ، سواء حقق له ذلك الحل لمشكلته في إطار جزئي ، أو كلّي ، أو لم يحقق له ذلك . فإن الحياة كلها تتلخّص عنده في كلمة واحدة هي ، أن يحقق الإنسان من خلالها إرادته التابعة لإرادة اللَّه الخالق الواحد . ولهذا كان الربا محرما على المسلمين حتى في نطاق النظام الربوي ، وربما أوقع ذلك المسلمين في مشاكل عملية معقدة ، وربما وضعت لهذه المشاكل بعض الحلول الفقهية التي يحصل الإنسان فيها على نتائج الربا من دون أن تقترب من أجوائه وأخلاقه في ما يسمى « بالحيل الشرعية » التي شرعت بوحي الحالات الطارئة الضاغطة التي يراد من خلالها الفرار من الحرام إلى الحلال ، ولكن المسلم - كما ألمحنا إلى ذلك - يشعر بالسعادة في هذه المعاناة ما دامت تحقق رضا اللَّه في أموره الخاصة والعامة ، وينطلق - بعد ذلك - من خلال وعيه لعمق المشكلة في حياته التي يعيش فيها الازدواجية بين ما تفرضه الشريعة ، وما يطلبه القانون ، إلى العمل في سبيل إقامة الحكم الإسلامي الشامل الذي يقود الحياة كلها إلى شريعة اللَّه . أمّا الأنظمة الأخرى ، فإنها لا تدرس الإنسان من حيث هو كائن روحي أو أخلاقي ، بل كل ما عندها هو الجانب المادي من حياته ، ولذا ، فإنها تفكر له من خلال حاجاته المادية ، بل ربما يعتبر بعضها الحاجات الروحية وجها من وجوه الحاجات المادية ، الأمر الذي يؤدي بها إلى أن تجد في السير على أي تشريع من التشريعات عبثا لا طائل تحته في المجال الفردي إذا لم يحقق الحل للحالة العامة .